الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

35

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

بل إنهما من الخلال الهامة التي تكسب الأسرة شهرة وبعد صيت وحسن أحدوثة ، والشعر والأدب مرآة صادقة تعكس أضواءها على تلك الأسرة أو ذلك الرجل ، حتى إن الذين يجيء من بعدهم من البنين يولعون بتسمية أبنائهم باسم ذلك الرجل الذي اشتهر منهم . وقد أورد المؤلف مقطوعة من شعر جده سليمان الشاعر الحكيم ، في الجزء العاشر أوّلها : إذا المرء لم يستر عن الذم عرضه * ببلغة ضيف أو بحاجة قاصد تبين مدى شاعريته وحكمته ونفسيته التي تفيض بالخير والمعروف ، وتتدفق بالإحسان على بني الإنسان ، وأنه صاحب مكارم وحمال مغارم ورب حكمة وبيان . وطن أهله الأصلي وتنقلهم في أحياء العرب إن التنقل مهما كان نوعه ومهما كانت مشقته ، يكسب المرء خبرة وحنكة وعقلا وربما مالا ، ويستفيد من رحلاته ولو كانت بسيطة وقصيرة ، سواء أكان في المدن أم بين القرى ، أو فيما هو أوسع من مدلولها ، ما لا يستفيده في مكثه وقبوعه في زاوية بيته ، وقديما أفاض العلماء في هذا الموضوع نظما ونثرا ، وأعلى من كل ذلك وأسمى ، كلام رب العزة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، حيث قال في غير ما آية أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ « 1 » . والمؤلف يحكي لنا في الجزء العاشر من الإكليل : أنّ وطن أهله الأصلي « المراشي » الواقع غربي ربط وأحد مساقط الجوف ، وفي الشرق الشمالي من « خيوان » بمسافة ست ساعات ، والمراشي مشهور بكرم التربة وخصوبة أرضه ، ناهيك أنّ الكرم « العنب » يأتي ثمره مرتين في السنة ، وكذلك في جبل برط وهذا مما لا يوجد في العالم فيما أظنّ ، إلا أنه كثيرا ما يسنت وكان المراشي في عصر المؤلف ، في حوزة بني عليّان ، وهو اليوم لآل جزيلان من ذي محمد ، ثم شاكر دهمة . وبسبب قحط وأسنات المراشي ، أو لأسباب أخرى ، كان انتقال داود وابنه يوسف من أجداد المؤلف إلى « الرحبة » شمال صنعاء بمسيرة ساعتين ونصف أو ثلاث ، وصدور الخشب من أرحب لطلب الكلأ والمرعى ، وتتبع مساقط الغيث دأب البدو الرّحل الذين ينتجعون مواضع الخصب ومنابت العشب « وحيث ما حلّة السيح حلّيت » كما تقول الأعراب ، وذلك لإحياء ماشيتهم التي منها تدر رزقهم وتقوى بها أجسامهم وفيها خير وفير ، وفي الوقت نفسه يؤّمنون حياة من خلّقوه وراءهم وأبقوه حصيلة للرجوع إليه لحفظ منازلهم المهجورة ، إلّا من عجز عن الالتحاق بهم « ولأن الغريب يحنّ دائما إلى مسقط رأسه وملاعب طفولته » فإذا أبصروا لمع

--> ( 1 ) سورة الروم ، الآية : 9 .